أحمد بن محمد ابن عربشاه
419
فاكهة الخلفاء ومفاكهة الظرفاء
وإنما أوردت هذا المثل ؛ لتعلم أيها الملك البطل خيانة الدب وبراءة الجمل ، والرجل إذا عجز عن فعل الشجعان يتشبث بحبائل الشيطان ، ويستعمل مكر النسوان ، ونظير هذا الكياد ما وقع بين صادق دمشق وفاسق بغداد ، وهي قضايا جليلة الأبواب طويلة الذيول والأذناب ، قد دونت في مجلدة لا يسعها هذا الكتاب . ففكر الريبال في هذه الأحوال ، ثم أمر بهما إلى الاعتقال ، وكان للملك سجان ذكى ، كنيته أبو الحصين واسمه ذكى ، فتسلمهما واحتفظ بهما . فلما استقرا في قبضة الحبس واستمر أمرهما في تحت أذيال اللبس ، توجهت الفارة التي كانت سمعت سر مناجاتهما ، واطلعت من أول الأمر على حكاياتهما إلى السجان ، وهما في أضيق مكان ، وسألته عما ذا آل عليه أمرهما من شان ، فأخبرها بحالهما وجهل عاقبة مآلهما ، وأنه ليس بعالم من المظلوم منهما والظالم . فقالت الفارة : أسألك يا ذا الشطارة والذكاء والمهارة إذا ترجح لأحدهما الجانب ، وتبين الصادق والكاذب ، وتعين المرضى عنه والمغضوب ؛ عليه تطلعنى على ذلك لأنظر إليه ، قال السجان للفارة : لقد فهمت عنك بالإشارة وأدركت من فحوى العبارة ، أن لك اطلاعا على هذا الأمر ، وفرقا جليا بين تمره والجمر ، فإن كنت شممت من ذلك روائح ، فبادرى بأداء تلك النصائح ، فإن قولك مقبول ، ولك الفضل لا الفضول ، ولا تقصدى بهذا الإرشاد إلا مصلحة العباد ، وكشف الغمة وبراءة الذمة ، وردع الظالم ، وخلاص ذمة الحاكم . قالت الفارة : وأنا لا أقصد إلا إصلاح ذات البين ، وشمولهما بعاطفة الملك بحيث يصيران كالمحبين ، ويرتفع النكد ويحصل رضا الأسد ، ويحسم